الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

348

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الإقراريّ بالاستدراك الرافع لما توهمه المنافقون من أن الموافقة للمؤمنين في أعمال الإسلام تكفي في التحاقهم بهم في نعيم الجنة فبينوا لهم أسباب التباعد بينهم بأن باطنهم كان مخالفا لظاهرهم . وذكروا لهم أربعة أصول هي أسباب الخسران ، وهي : فتنة أنفسهم ، والتربص بالمؤمنين ، والارتياب في صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، والاغترار بما تموّه إليهم أنفسهم . وهذه الأربعة هي أصول الخصال المتفرعة على النفاق . الأول : فتنتهم أنفسهم ، أي عدم قرار ضمائرهم على الإسلام ، فهم في ريبهم يترددون ، فكأنّ الاضطراب وعدم الاستقرار خلق لهم فإذا خطرت في أنفسهم خواطر خير من إيمان ومحبة للمؤمنين نقضوها بخواطر الكفر والبغضاء ، وهذا من صنع أنفسهم فإسناد الفتن إليهم إسناد حقيقي ، وكذلك الحال في أعمالهم من صلاة وصدقة . وهذا ينشأ عنه الكذب ، والخداع ، والاستهزاء ، والطعن في المسلمين ، قال تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [ النساء : 60 ] . الثاني : التربص ، والتربص : انتظار شيء ، وتقدم في قوله تعالى : وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [ البقرة : 228 ] الآية . ويتعدى فعله إلى المفعول بنفسه ويتعلق به ما زاد على المفعول بالباء . وحذف هنا مفعوله ومتعلقه ليشمل عدة الأمور التي ينتظرها المنافقون في شأن المؤمنين وهي كثيرة مرجعها إلى أذى المسلمين والإضرار بهم فيتربصون هزيمة المسلمين في الغزوات ونحوها من الأحداث ، قال تعالى في بعضهم : وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ [ التوبة : 98 ] ، ويتربصون انقسام المؤمنين فقد قالوا لفريق من الأنصار يندّمونهم على من قتل من قومهم في بعض الغزوات لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا [ آل عمران : 168 ] . الثالث : الارتياب في الدين وهو الشك في الاعتماد على أهل الإسلام أو على الكافرين وينشأ عنه القعود عن الجهاد قال تعالى : فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [ التوبة : 45 ] ولذلك كانوا لا يؤمنون بالآجال ، وقالوا لإخوانهم : لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا [ آل عمران : 156 ] . الرابع : الغرور بالأماني ، وهي جمع أمنية وهي اسم التمني . والمراد بها ما كانوا يمنون به أنفسهم من أنهم على الحق وأن انتصار المؤمنين عرض زائل ، وأن الحوادث تجري على رغبتهم وهواهم ، ومن ذلك قولهم : لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [ المنافقون : 8 ]